محمد جمال الدين القاسمي
183
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
صعاب على الناس ، لقوة القحط يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي ما رفعتم لهن من الحبوب المتروكة في سنابلها . ولما عبر عن البقرات بالسنين ، نسب الأكل إلى السنين . كما رأى في الواقعة البقرات يأكلن حتى يحصل التطابق بين المعبر وهو المرئيّ في المنام ، والمعبر به ، وهو تأويله . ولا يتعين المجاز العقليّ - أي يؤكل فيها - كما في : ( نهاره صائم ) لجواز أن يكون مشاكلة حينئذ . إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي تحرزون وتخبئون للزراعة . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي السنين الموصوفة بالشدة . وأكل الغلال المدخرة عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ أي يمطرون من الغيث ، أي يغاثون من القحط ، أو يرفع عنهم مكروهه من الغوث وَفِيهِ يَعْصِرُونَ أي ما كانوا يعصرونه على عادتهم من عنب وزيتون ونحوهما . قال أبو السعود : والتعرض لذكر ( العصر ) ، مع جواز الاكتفاء عنه بذكر ( الغيث ) المستلزم له عادة ، كما اكتفى به عن ذكر تصرفهم في الحبوب ، إما لأن استلزام الغيث له ليس كاستلزامه للحبوب ، إذ المذكورات يتوقف صلاحها على مبادئ أخر غير المطر . وإما لمراعاة جانب المستفتي باعتبار حالته الخاصة به ، بشارة له ، وهي التي يدور عليها حسن موقع تغليبه على الناس ، في القراءة بالفوقانية . وقيل : معنى ( يعصرون ) يحلبون الضروع . انتهى . واللفظ بعموم معناه يشمله ، لأن الحلب فيه عصر الضرع ليخرج الدرّ . قال الزمخشري : تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة ، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركا خصيبا ، كثير الخير ، غزير النعم ، وذلك جهة الوحي . تنبيه : قال في ( الإكليل ) : هذه الآية من أصول التعبير . وفيها أيضا صحة رؤيا الكفار ، وجواز تسميته ملكا ، وأن قولنا ( الرؤيا لأول عابر ) ليس عامّا في كل رؤيا ، لأنهم قالوا : أَضْغاثُ أَحْلامٍ ، ولم تسقط بقولهم ذلك ، فتخص القاعدة بما يحتمل من الرؤيا وجوها فيعبر بأحدها ، فيقع عليه . وفي قوله : ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ . . . إلخ زيادة على ما وقع السؤال عنه ، فيستدل به على أنه لا بأس بذلك في تعبير الرؤيا والفتوى . انتهى .